ابن كثير
54
السيرة النبوية
شادة مرمرا وجلله كلسا * فللطير في ذراه وكور لم يهبه ريب المنون فبان * الملك عنه فبابه مهجور وتذكر رب الخورنق إذ * أشرف يوما وللهدى تفكير ( 1 ) سره ماله وكثرة ما يملك * والبحر معرضا والسدير ( 2 ) فارعوى قلبه وقال : وما غبطة * حي إلى الممات يصير ثم أضحوا كأنهم ورق جف * فألوت به الصبا والدبور ( 3 ) قلت : ورب الخورنق الذي ذكره في شعره رجل من الملوك المتقدمين ، وعظه بعض علماء زمانه في أمره الذي كان قد أسرف فيه وعتا ( 4 ) وتمرد فيه وأتبع نفسه هواها ولم يراقب فيها مولاها ، فوعظه بمن سلف قبله من الملوك والدول ، وكيف بادوا ولم يبق منهم أحد ، وأنه ما صار إليه عن غيره إلا وهو منتقل عنه إلى من بعده ، فأخذته موعظته وبلغت منه كل مبلغ ، فارعوى لنفسه ، وفكر في يومه وأمسه ، وخاف من ضيق رمسه ، فتاب وأناب ونزع عما كان فيه ، وترك الملك ولبس زي الفقراء ، وساح في الفلوات وحظي بالخطوات ، وخرج عما كان الناس فيه من اتباع الشهوات وعصيان رب السماوات . وقد ذكر قصته مبسوطة الشيخ الامام موفق بن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى في كتاب " التوابين " وكذلك أوردها بإسناد متين الحافظ أبو القاسم السهيلي في كتاب " الروض الأنف " المرتب أحسن ترتيب وأوضح تبيين .
--> ( 1 ) ا : تذكير . ( 2 ) ا : معرض . ( 3 ) ألوت به : ا : ذهبت به ، والصبا : ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش . والدبور ريح تقابل الصبا . ( 4 ) ا : وعق .